ابن قيم الجوزية
15
الروح
وبعد موتي لا تخذلني عند الموت ، ولا توحشني « 1 » في قبري ، فماتت فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور ، فرأيتها ذات يوم في منامي فقلت لها : يا أمي كيف أنت ؟ قالت : أي بني أن للموت لكربة شديدة ، وأني بحمد اللّه لفي برزخ « 2 » محمود ، نفترش فيه الريحان ، ونتوسد فيه السندس والإستبرق « 3 » إلى يوم النشور « 4 » فقلت لها : ألك حاجة ؟ قالت : نعم ، قلت : وما هي ؟ قالت : لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا ، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك ، يقال : يا راهبة هذا ابنك قد أقبل فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات : ( حدثني ) محمد بن عبد العزيز بن سليمان ، حدثنا بشر بن منصور قال : لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان ، فيشهد الصلاة على الجنائز ، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال : آنس اللّه وحشتكم ، ورحم غربتكم ، وتجاوز عن مسيئكم ، وقبل حسناتكم ، لا يزيد على هؤلاء الكلمات ، قال : فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ، ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو ، قال : فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءوني فقلت : ما أنتم وما حاجتكم ؟ قالوا : نحن أهل المقابر ، قلت : ما حاجتكم ؟ قالوا : إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك ، فقلت : وما هي ؟ قالوا : الدعوات التي كنت تدعو بها ، قال : قلت : فإني أعود لذلك ، قال : فما تركتها بعد « 5 » .
--> - على افتعلت مثله ، وهو مذخور وذخيرة أيضا ، وجمع الذخر : أذخار ، مثل قفل وأقفال ، وجمع الذخيرة : ذخائر . ( 1 ) الوحشة : الخلوة والهم ، وقد أوحشه اللّه فاستوحش ، وأوحش المنزل : أقفر وذهب عنه الناس . ( 2 ) البرزخ : هو الحاجز بين الشيئين ، ومن وقت الموت إلى القيامة ، ومن مات دخله ، وبرازخ الإيمان : ما بين أوله وآخره ، أو ما بين الشك واليقين . ( 3 ) الإستبرق : هو الديباج الغليظ ، وهو فارسي معرب ، وتصغيره أبيرق . ( 4 ) وهو يوم القيامة . ( 5 ) زيارة القبور للرجال مستحبة ، لما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة » والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهاهم أول الأمر عن زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية ، فلما اطمأنوا إلى الإسلام وعرفوا أحكامه وحدوده وطبقوها كان الأمر بزيارة القبور للاعتبار والاتعاظ فترقق القلب وتصفي النفس وتقلل من خطر الدنيا في نفس المؤمن . -